الأطفال منسيو الأدب

الكتاب والناشرون العرب يتناسون الأطفال ويستمرون في إنتاج أعمال قد لا تستجيب لانتظارات هذه الفئة الهامة من القراء.
الأطفال العرب محرومون من الأدب العربي (لوحة للفنانة سارة شمة)

يبدو مدهشا أن يستمر أدب الأطفال والشباب في تحقيق تميزه. ذلك على الأقل ما تكشف عنه آخر الأرقام المسجلة خلال السنة السابقة، حيث عرف القطاع نموا يصل إلى خمسة في المئة مقارنة مع سنة 2017،  وذلك من خلال تحقيق إنتاج يصل إلى العشرين ألف عنوان في أكثر من مئة ألف نسخة. وهو الأمر الذي يجعل من  كتاب الطفل يتربع على ترتيب مجمل حقول الإنتاج، مباشرة بعد الأدب والعلوم الإنسانية. أما المحزن فهو أن هذه الأرقام تتعلق ببلد كفرنسا وقد توازي أو تضاعف مجمل ما يحقّق على مستوى مجمل بلداننا العربية.

ولا يبدو ذلك غريبا، إذ ما زال الإنتاج العربي في مجال الكتابة للأطفال هو الأضعف على مستوى الإنتاج الثقافي العام، سواء من حيث عدد إصداراته أو قيمته المعرفية أو شكله الفني والجمالي. وهو ما يعتبر أمرا مفارقا لأهمية الكتابة للأطفال ولوظيفتها الحاسمة على مستوى تكوين أجيال جديدة من القراء، وإن كنا لا نعرف بدقة ما يصدر من كتب الأطفال وغيرها في غياب منظومة للتتبع وللإحصاء ولدراسة مؤشرات الإنتاج، وفي ظل تحفظ الناشرين عن الكشف عن أرقام مبيعاتهم تماهيا مع خطاب أزمة القراءة الذي يقتات منه الكثيرون، أو خوفا من العين أو بالأحرى من محصلي الضرائب.

أما العوامل التي تحكم محدودية كتب الأطفال فهي متشعبة. ولعل من بينها تأخر ظهور تقاليد الكتابة في المجال. إذ سينتظر العالم العربي القرن التاسع عشر لينسج الملامح الأولى لعلاقته بهذا الأدب، خصوصا مع الكتابات الأولى لناصيف اليازجي، الذي لم يمنعه انحداره من عائلة مسيحية لبنانية من الانتصار للغة العربية بشكل مذهل، وهو الذي حفظ القرآن وامتلك معرفة عميقة بالفكر الإسلامي.

مظاهر وامتدادات هذا التأخر سترخي بظلالها على الكتابة الراهنة الموجهة إلى أطفال العالم العربي وعلى صناعة النشر المختصة في المجال.

وسيَليه رفاعة الطهطاوي الذي امتلك جرأة ترجمة حكايات الكاتب الفرنسي  تشالر بيرو، المعروف بنصه الشهير “ذات القبعة الحمراء“، وغيرها من النصوص التي تعتبر مؤسسة لأدب الأطفال المكتوب. وهي النصوص التي تسبق محاولات اليازجي والطهطاوي بأكثر من قرن. بينما سيتأجل ظهور الكتابات الأولى الموجهة إلى الأطفال ببلد كالمغرب إلى منتصف أربعينات القرن الماضي، وذلك عبر النصوص الأولى التي كانت تُنشر بصفحة “صحيفة الأطفال” بجريدة العلم المغربية.

في حين سيتأخر إطلاق أول دار نشر عربية مختصة في المجال إلى سبعينات القرن الماضي. وذلك في الوقت الذي عرفت فيه فرنسا إطلاق دارها الأولى، وهي هاشيت العريقة، خلال القرن التاسع عشر.

والأكيد أن مظاهر وامتدادات هذا التأخر سترخي بظلالها على الكتابة الراهنة الموجهة إلى أطفال العالم العربي وعلى صناعة النشر المختصة في المجال. وهو أمر يضاعف انعكاساته غياب الجرأة على تجاوز هذا الوضع، كما فعلت بلدان عديدة قد تكون بدأت من الصفر لتنسج أدبها الخاص بأطفالها.

يكفي التذكير هنا بأن عدد دور النشر المختصة في كتاب الطفل، ببلد كالمغرب، لا يتجاوز الثلاث، في الوقت الذي يدخل عدد كبير من الناشرين المجال من باب الهواية، غير منتبهين إلى أن الطفل قارئ ذكي لا يجامل أحدا. بينما لا يتجاوز عدد ما صدر من كتب الأطفال، منذ تعرف المغاربة على الطباعة إلى الآن، الألف عنوان.

الجهل بانتظارات الأطفال يفسر حيرة قطاع النشر في اختيار لغة الكتابة (لوحة للفنانة سارة شمة)
الجهل بانتظارات الأطفال يفسر حيرة قطاع النشر في اختيار لغة الكتابة (لوحة للفنانة سارة شمة)

ولعله نفس الوضع بالنسبة إلى أغلب الدول العربية. وذلك في الوقت الذي يوجد فيه ملايين القراء المفترضين من الأطفال والشبان، الذين بإمكانهم ضمان سوق مربحة، إذا تماهينا مع منطق الناشرين. وهو على الأقل ما تكشف عنه، على سبيل المثال، الأرقام المذهلة المسجلة على مستوى المشاركين في مسابقة واحدة، وهي تحدي القراءة العربي، والذين جاوز عددهم العشرة ملايين ونصف المليون من بين تلاميذ بلدان العالم العربي، والذين يُفترض أنهم قرؤوا ما يناهز الثلاثمئة مليون كتاب، في سياق تنافسهم على مكان فوق بوديوم الجائزة.

إنهم الأطفال أنفسهم الذين يبدو أن الجميع يجمع على تناسيهم، كتابا كانوا أو ناشرين. إذ يستمر هؤلاء في إنتاج أعمال قد لا تستجيب لانتظارات القراء، في غياب دراسات علمية لسوق القراءة ولأبحاث ميدانية تبتغي تبين حاجيات وعادات القراء وتحولاتها المستمرة، خصوصا مع دخول النيت ووسطائه الاجتماعية على خط منافسة الكتاب الورقي، وهو ما تفرضه متطلبات الأطفال، باعتبارهم قراء استثنائيين لا يتنازلون أبدا عن معاييرهم الخاصة.

ولعل الجهل بانتظارات الأطفال هو ما يفسر، على سبيل المثال، حيرة قطاع النشر المختص في المجال في اختيار لغة الكتابة، وذلك مع الدعوة المتصاعدة، على مستوى عدد من الدول العربية، إلى التوجه نحو اعتماد اللهجات المحلية على مستوى الكتابة، وذلك في غياب التفكير الجيد في الأبعاد البيداغوجية لهذا الاختيار. وقد يكون ذلك من باب التماهي مع الخطاب الجديد الذي صار ينتصر للهجة العامية على حساب اللغة العربية. وهو خطاب لا يكاد يمر دون أن يترك وراءه أكثر من حادثة. ولعل آخرها واقعة إدراج مفردات تنتمي إلى الدارجة المغربية في مقرر دراسي صادر خلال السنة السابقة. كما يبدو طريفا، في سياق آخر، أن تضطر دار نشر لبنانية شهيرة، هي دار أصالة للنشر، إلى  “ترجمة” كتاب “نورا وقصتها” المكتوبة بالعامية اللبنانية إلى العربية، بعد كساد الطبعة الأصلية.

يبقى أن النية السيئة لأصحاب الدعوة إلى فرض العامية على الأطفال والكبار، لن تأتي على يسر سفر القراء العرب بين لغاتهم ولهجاتهم وبين اللغات الأخرى. إذ أن ذلك هو بالضبط ما يحقق باستمرار الثراء على مستوى ثقافتهم.

عن wissam

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!