المجعجعون

المجعجعين لن يكونوا هم أطراف “العملية”، وإنما بدائل لها يهمهم الصراع على القروش المتبقية في خزائن الولي الفقيه، بفرعيها الإيراني والعراقي.
السبت 2019/05/11
الأميركيون لا تهمهم الجعجعة. والإيرانيون لا يريدون أكثر منها

القول إن ميليشيات إيران في العراق يمكن أن تشكل تهديدا للمصالح الأميركية ولأمن قواتها هناك، مبالغ فيه. هذه الميليشيات تعرف حدودها، وتعرف أن “العين لا تعلو على الحاجب”. ليس لأنها صنيعة بول بريمر الحاكم “المدني” السابق للعراق، وهو الذي موّلها وأمسكها زمام السلطة وفتح أمامها أبواب الفساد، بل لأن إيران نفسها تجعجع بها دون أن تجرؤ على توظيفها ضد من فتح لها الطريق للاستيلاء على العراق. وهي تعرف أن واجبها “الجعجعة”، وهي بناء على ذلك، ترغي وتزبد.

إنهم حفنة زبانية محترمين. يخدمون السيد، ويعرفون العواقب. فحتى ولو اندلعت حرب ضد إيران، فإنهم لن يغامروا بالناقة والجمل. ولسوف يحرصون على جعل الجعجعة فارغة على قدر الإمكان فترضي الطرفين. الأميركيون لا تهمهم الجعجعة. والإيرانيون لا يريدون أكثر منها.

ولكن ذلك لا يعني أن مستوى الخطر يعادل صفرا. هناك صنائع جديدة على غرار داعش، يمكن أن تنشأ فتنسب لها الأعمال، إذا ما وقعت. أما ذوو الميليشيات المحترمون، فسيظلون محترمين، لكي يحافظوا على نصيبهم في السلطة وفي صنع الملوك، بدلا من أن يتحولوا إلى طرائد.

وبما أن ثمة سيدا للجعجعة يعدُ إسرائيل بالقصف إلى “ما بعد بعد حيفا”، فإن سيدا للجعجعة في العراق يمكن أن يظهر ليعد الولايات المتحدة بالقصف “إلى ما بعد بعد فلوريدا”. ولئن حمل الأول لقب “سيد المقاومة”، فإن الثاني يمكن أن يحمل لقب “حجي المقاومة”، بل وقد تتفتق عبقرية قاسم سليماني بأن يجد امرأة تتصدر الأضواء، فيُطلق عليها لقب “علوية المقاومة”.

وحيث أن مقاومة الاحتلال الأميركي كانت في الغالب، من نصيب المناطق خارج سيطرة الميليشيات الإيرانية، فقد تذهب العبقرية، لضرب عصفورين بحجر، إلى حد إنشاء “جبهة تحرير الفلوجة”، أو ربما إقامة تنظيم “إسلامي” آخر يرث داعش، فيستولي على معسكر من معسكرات الجيش العراقي، ويفوز بمحتويات بنك قبل تسليم الرواتب، ويهرب الجنود، ويتم قتل بعضهم بوحشية، وتبدأ القصة من هناك. وما هذا بفيلم هزلي مرعب. إلا أن فصله الثاني يظل ممكنا، طالما أن فصله الأول أثبت نجاحا أطول من “صراع العروش”. المهم، إن المجعجعين لن يكونوا هم أطراف “العملية”، وإنما بدائل لها يهمهم الصراع على القروش المتبقية في خزائن الولي الفقيه، بفرعيها الإيراني والعراقي.

إيران بدورها تعرف جيدا حدود قدراتها العسكرية. وهي لن تجرؤ على خسارة حرب أخرى أكثر كلفة مما سبق. وحيث إن الاقتصاد يقف برمته على شفير الهاوية، إن لم يكن قد انحدر إليها أصلا، فإن حربا مع الولايات المتحدة في مياه الخليج العربي لن تكون مجرد نزهة عابرة، وعواقبها لن تكون كعواقب الحرب ضد العراق في ثمانينات القرن الماضي.

إنها حرب سوف تضع حدا لنظام لم يورث شعبه إلا الهزائم والآلام والفقر. وبالتالي فإن وقف المواجهة عند حدود الجعجعة سيكون خيارا عمليا، على الأقل لكي لا تكون النهايات صادمة، وأن تأتي ببطء قد يسمح بشراء بعض الوقت، لعل توازنات تحل محل غيرها في المنطقة أو في الولايات المتحدة نفسها.

ومن فضائل الجعجعة أنها لا تكلف الكثير، وتظل قادرة على أن تستقطب عواطف الذين يشترون شعارات فارغة. والمنطقة مليئة بهم. هم تدربوا عليها وهي تدربت عليهم حتى باتت سمة اجتماعية، أو “طبيعة ثانية” للكثيرين، ومنهم قادة أحزاب ومنظمات ما تركوا شعارا إلا وجعجعوا به، حتى غلبنا الظن أن المسافة بين النهر والبحر قريبة، وإننا لن نشرب من الأخير.

ولئن ظننا أن الهزائم قد علمتنا شيئا عن الذين قرروا أن يحتفظوا بحق الرد على العدوان “في الوقت والزمان المناسبين”، حتى ارتفعت فوق رؤوسهم الطير، فإن “الجعاجعة” ما فتئوا يثردون في صحن المخازي إلى “ما بعد بعد الجولان”. لكي يقولوا للإسرائيليين وسواهم، أن سيد الجعجعة يظل قادرا على تقديم تحليل آخر في الفيديو المقبل، للهزيمة المنتصرة، أو للانتصار المهزوم بنفسه. وهذا أمر يغني عن قول ما لا يقال. ما يهم بالنسبة للولايات المتحدة أن يحفظ كلٌّ درسه، وأن يتحسس ما قد يقع على رأسه، وأن يجعجع ما شاء له الهوى، وأن يحترم نفسه.

شاهد أيضاً

رونالدو ينتزع بثانيتين لقباً تاريخياً احتكره لاعب آخر طوال 65 سنة

تمكن البرتغالي كريستيانو رونالدو، مهاجم نادي Juventus الإيطالي بكرة القدم، من انتزاع لقب ظل حكرا …

لهذا السبب حددت أميركا يوم 20 يناير لحفل التنصيب

يستعد العالم خلال الساعات القادمة لمتابعة حفل تنصيب المرشح الفائز بانتخابات نوفمبر 2020 الديمقراطي جو …

شاهد “ايفانكا الجديدة” تبدأ عهد والدها باستهداف ميلانيا

من تقاليد أشهر بيت رئاسي بالعالم، أن تتصل “الأميركية الأولى” بزوجة الرئيس المنتخب لتدعوها الى …

روبوت ياباني يجري مسحة كورونا ويعطي النتيجة في 80 دقيقة

تابع وزير الصحة الياباني نوريهيسا تامورا عرضاً لنموذج روبوت يجري فحوص الكشف عن مرض كوفيد-19 …

تقاليد وهفوات شهدها حفل تنصيب الرئيس عبر تاريخ أميركا

لن يحضر دونالد ترمب حفل تنصيب جو بايدن، وهو أمر لم يحصل منذ عام 1869 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *