رسائل نابوكوف إلى فيرا سيرة حياة كاملة

الكتاب يضم 287 رسالة تحكي الكثير من المعلومات المجهولة عن مواقفه الدينيّة والسياسيّة، وعلاقاته بالمنظمات السريّة.
عاشقان جمعت بينهما الرسائل اليومية

ظلت وما زالت الرسائل الأدبيّة بما تحويه من سياق ثقافي وتاريخي مجهول، أحد أهم المصادر التي تعين دارسي ومؤرخي الأدب على الكتابة عن الشخصيات الأدبيّة، ليس فقط في ما تقدمه من حكايات غرام مجهولة، وإنما لما تكشفه من خلفيات ظروف كتابة الأعمال، وأحيانا طقوسها التي تكون في الكثير منها غرائبية. كما تُقدّم لنا ملمحا جديدا للشخصية، والتغيّرات التي لحقت بها وكذلك توتراتها على نحو ما تقدمه رسائل الكاتب الروسي فلاديمير نابوكوف إلى فيرا.

تقدم رسائل فلاديمير نابوكوف إلى فيرا الكثير من المعلومات المجهولة عن مواقفه الدينيّة والسياسيّة، وعلاقاته بالمنظمات السريّة التي سعت إلى احتضانه كالماسونيّة أو المخابرات البريطانية.

لم تنبع شهرة نابوكوف من هذه الرسائل “رسائل إلى فيرا” وحدها، فهو سيد السرد الروسي بلا منازع، حتى قال عنه الشاعر الروسي بيونين إن “نابوكوف أطلق الرصاصة الأخيرة من بندقيته كلاشنيكوف ليُجْهِز على جيل من الروائيين الروس القدماء وليتزعم جيلا جديدا يولد من بين أنامله”. كان غزير الإنتاج ألّف سبع عشرة رواية وأكثر من خمسة وستين نصّا، توزّعت بين القصة والقصة القصيرة وثلاث أو أربع مسرحيات وديوان شعر، وغيرها من أجناس مختلفة قريبة وبعيدة مثل كتابة السيناريو، والبانتومايم، والعشرات من المقالات النقدية.

ذهب مع الريح

الكتاب الصادر مؤخّرا عن دار الرافدين، بعنوان “رسائل إلى فيرا” بترجمة عبدالستار عبداللطيف الأسدي، أستاذ الأدب الإنكليزي بكلية التربية للعلوم الإنسانية بجامعة البصرة، يحتوي على الرسائل التي كتبها الأديب الروسي فلاديمير نابوكوف إلى زوجته فيرا، وتتعدى هذه الرسائل كونها رسائل زوج إلى زوجته، إلى رحلة عمر تعكس التحولات التي جرت في حياة نابوكوف. ويضم الكتاب 287 رسالة، يحكي نابوكوف من خلالها عن عمق العلاقات الأخطبوطية التي كونها في الأماكن التي رحل إليها، مرورا بعلاقته بفيرا التي وصفها قائلا في إحدى رسائله بأنها “ملاكُه ذو الخُصل الشقراء”.

الرسائل المترجمة في أصلها، مأخوذة من كتاب ضخم بعنوان “رسائل إلى فيرا” جمعها وترجمها الأميركي بريان بويد والروسيّة أولغا فورونينا، تكفلت دار ألفريد. أي. أكنوف في نيوويورك عام 2015 بطبعته الأولى، وقد تجاوزت صفحاته 886 صفحة. على امتدادها الزمني حيث تبدأ من عام 1923 وصولا إلى عام 1976، تحيط بالكثير من تفاصيل وأسرار حياة نابوكوف الشخصية والأدبية، وعلاقاته المتشعبة بأوساط المجتمعات المختلفة التي اختلط معها وعاش بينها، وهو الروسي المنفي طوع نفسه، بعد هروبه من النظام الجديد عام 1917.

هذه الرسائل تتعدى كونها رسائل زوج إلى زوجته، إلى رحلة عمر تعكس التحولات التي جرت في حياة نابوكوف

كما تحظى هذه الرسائل بأهمية خاصّة لمن يريد أن يفهم الفن العظيم الذي خلفه لنا نابوكوف، فالكتاب كما يقول مترجمه ليس “مجرد كتاب أنطولوجيا، يتضمن بين دفتيه رسائل يكتبها زوج إلى زوجته، بل هو سيرة حياة كاملة، قصة الرحيل وما ذهب مع الريح، رحلة العذاب وسنين العلقم والحرمان والألم والهجرة، ثم قصة تحوّل الزمان فأيّام الرخاء والمال والإقامة في سويسرا والسياحة”. كما يكشف عن التحولات في مسار علاقته بفيرا بعد افتضاح علاقته بفتاة روسية، ومحاولاته الدؤوبة لاسترضائها، ليس فقط في مناداتها بعشرات الألقاب، وإنما بإرسال الأموال لها بطريقة مشفرة أو عن طريق أسماء مستعارة، أو شخصيات مبتكرة.

هذه الرسائل هي نتاج حياة نابوكوف، الذي ظل طيلة حياته يكتب كل يوم الرسالة أو الرسالتيْن إلى فيرا شلونيم ابنة تاجر الأخشاب الذي تحول إلى ناشر كتب في ألمانيا، والتي التقاها مصادفة عام 1923، في حفلة خيرية أقيمت في برلين للنازحين الفارين الروس، لكن الغريب أن لقاء فيرا به لم يكن مصادفة البتة، لأنها كانت تعرف أن الشاعر فلاديمير سيرين سيحضر الحفلة، وهو الاسم الذي تخفى وراءه عند الكتابة، فاقترن بها في الخامس عشر من أبريل 1925، رسميا وقد استمر زواجهما لأكثر من نصف قرن، ويحسب لهما أن زواجهما هو الوحيد الذي استمرّ هذه المدة، حتى وصفت الأجواء بينهما بأنها “صافية بلا غيوم”.

تجاوزت فيرا في علاقتها بنابوكوف كونها الزوجة أو حتى الحبيبة، إلى مديرة المنزل والصديقة والعقل الآخر الذي يفكّر معه، ويخطّط له، كما أنّها كان لها الدور الأكبر في إنقاذ مخطوطة رواية “لوليتا” من النار، حين همّ نابوكوف بإحراقها. ففي الرسائل يطلعها على تفاصيل حياته اليومية؛ مشربه ومأكله، نومه، ويقظته، ولقاءاته مع الأدباء والناشرين، والصحافيين والإعلاميين والفنانين والفنانات… كما يكتب لفيرا عن الموارد المالية التي يحصل عليها. وقد جاء هذا بناء على طلب فيرا نفسها، ووَفّى في وعده، حتى وكأن فيرا تعيش معه تفاصيل يومه رغم بُعْد المسافة بينهما.

لا يتضمن الكتاب فقط الرسائل التي تجاوزت 886 صفحة، ولكنه يتضمن أيضا إضافة إلى الرّسائل الأحاجي والألغاز والاستبيانات وبطاقات المعايدات وتخطيطات القطارات والسيارات والدراجات البخارية، ورسوم كلب ودب، وصور عائلية و14 نصا لقصائد. إضافة إلى ما احتوته الرسائل من آراء نابوكوف حول معاصريه كجيمس جويس.

ونظرا إلى كثرة الرسائل، عمد المترجم إلى انتخاب بعض منها، وأيضا ترجمة بعض الفقرات دون غيرها إلى اللغة العربية، لكثرة الإطناب والإسهاب في ذكر تفاصيل معينة، كما قام المترجم بتبويبها وفقا للعقود الزمنية، من العشرينات وصولا إلى السبعينات من القرن الماضي. كما أثبت في مطلع كل رسالة عنوان المُرسِل نابوكوف وعنوان المُرسَل إليه وهي فيرا، ليكشف عن تعدّد الأماكن المرسلة منها الرسائل، كباريس ولندن وبرلين والولايات المتحدة الأميركية لفترات طويلة. وأيضا تنوع أماكن إقامة فيرا. خاصة بعد انتقالها للعلاج في مصحّة الغابة السوداء، أو براغ بعدما لجأت إلى عائلته، ثم سفرها إلى باريس.

مقابل هذا الثراء من جانبه في كتابة الرسائل إليها، التي كان يُرسلها بانتظام، غابت رسائلها تماما، بل كانت شحيحة، ولم تبادله الرسائل إلا قليلا.

العاشق الولهان

نابوكوف العاشق شارك زوجته كل تفاصيل حياته
نابوكوف العاشق شارك زوجته كل تفاصيل حياته

تم العثور على الرسائل عن طريق بريام بويد الذي استطاع وحده مقابلة فيرا والجلوس معها والاتفاق على أن يوافيها إلى مكتبها أو شقتها في سويسرا، كي تقرأ له بعضها دون أن يرى أو يلمس الرسائل بيديه. أما ترجمة الرسائل الكاملة فلم تكتمل إلا بعد عام 2002. وما إن توفيت فيرا عام 1991، صارت الرسائل بحيازة ابنه ديمتري نابوكوف، وقد بذل كل ما في وسعه لجمع رسائل والده وترجمتها بعد أن عرف بمشروع بريان بويد وأولغا فورونينا، وواصل المترجمان عملهما الذي انقطع من قبل، وصدرت الترجمة عام 2014.

تكشف الرسائل، خاصة رسائل العشرينات، عن حالة العشق والوله التي كان يكنها نابوكوف لفيرا، فيلح على أنه بحاجة ماسّة إليها، ويصفها بأنها “حكاية الجان خاصتي”، ويناديها “يا سعادتي، يا فرحي الذهبي، الرائعة، يا سعادتي العزيزة، أنت الشخص الوحيد الذي أستطيع الحديث معه عن ظل تلك السحابة، عن أغنية، فكرة ما، وأنتِ الوحيدة التي يمكنني أن أقول لها وأنا ذاهب للعمل بأنني نظرت في وجه زهرة عُبَّاد الشمس فابتسمت لي بكل حياتها”، بل عدّها ملهمته فكما يقول “ما عدت أكتب كلمة واحدة ما لم أسمع صوتك تنطقين بها – ولا حتى أتذكر أي شيء ولو تافها يمر عليّ هنا”، ويقطع بأنه لا يمكن أن يتصور الحياة ممكنة من دونها.

وتارة أخرى يُعلن لها عن ولعه الشديد بها قائلا “إني مستعد لمنحك دمي كلّه إذا اضطررت – يصعب عليّ تفسير ذلك، ويبدو الأمر سخيفا مسطحا، لكن تلك هي الحال. سأقول لك: بحبي لأمكنني ملء عشرة قرون بالضوء، والأغاني، والشجاعة – عشرة قرون كاملة، عجيبة وهوائية…”.

في رسائل الثلاثينات، نجد تطوّرا ملحوظا في سرد تفاصيل علاقته بالشعر والشعراء، ومشاركته في الندوات، ومقابلاته مع المجلات لإجراء حوارات صحافية، وجولاته أيضا وتسلُّق إحدى التلال، وذهابه لرؤية الغجر بصحبة فتيات تاتارينوف كما يحكي لها عن صداقاته وزيارات أقاربه، والأهم أنه يصف لها مشاهداته العابرة كأن يحكي لها عن الفوانيس كروية الشكل الموجودة في محطات الترام، والبيوت المتلاصقة المشيّدة بالقرميد الأسود كما أن الأرصفة ضيقة. كما أنه يتابع حياته، ويعترض على عملها خوفا عليها من إرهاق ساعات العمل. كما تأتي بعض الرسائل وكأنها محاورات من بُعد عن بعض الأعمال، أو قراءته، أو ما أرسله لها من أعماله، طالبا منها الرأي والمشورة، كما يشكو لها عن عدم تمكنه من الكتابة بسبب كثرة انتقالاته.

ولا ينسى العاشق وهو يسترسل في التفاصيل الحياتية له، أن يبثها أشواقه في كل السطور، فيقول لها “هلو حبيبي، لم أعد احتمل البعد عنك، وكل هذا الفراق، لا في براغ ولا في بلازيان. أنت بدونك لا تحتمل الحياة خاصة في هذا الوقت” وتارة أخرى يخاطبها “أحبّك وأعبدك يا أحلى حبيبة”. ومنها أيضا “أحبك جدا جدا، أحبك بالطريقة السيئة كما أحبك بالطريقة الجيّدة.. أحبك يا شمسي، يا حياتي، أعشق عينيك وهما مغلقتان، كما أحب قصائدك الصغيرة، أفكارك، أصوات العلة الطويلة التي تنطقينها، روحك من رأسك حتى كعبك”.

عن wissam

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!