ظلال المسيحية الشرقية في رواية “صلاة خاصة” لصبحي موسى

“دير الملاح” احتضن الانفتاح على كافة الأفكار سواء منها ما يخص الطبيعة الإيمانية أو الهرطقة، حيث حرص رؤساؤه على جمع وحفظ كل الكتب والرسائل والسير المختلف حول أفكارها أو المتفق مع أفكارها.
الأحد 2019/06/30
صبحي موسى.. استلهم التاريخ والأسطورة معاً

 قراءة رواية “صلاة خاصة” للروائي صبحي موسى تشكل مواجهة حقيقية مع المتلقي، فهي تحتاج يقظة معرفية وثقافية وإبداعية، إذ من الصعوبة بمكان قراءتها في حالة استرخاء أو من باب الاستمتاع، وإن قدمت ذلك، فما تحمله من رؤى وأفكار وتقنيات سرعان ما يستحوذ على الحواس ويدفعها دفعا إلى اليقظة والتنبه إلى ما يجري بين يديها، هناك تعدد في الرواة وطرائق السرد، وهناك تراكم للشخصيات والأحداث والأمكنة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وتقاطعات للأزمنة بين القرنين الثالث والرابع والقرن العشرين والقرن الحادي والعشرين، حيث لم تترك الرواية شاردة أو واردة تخص تفصيلة أو شخصية أو مكانا أو حادثة أو جدلا أو نقاشا حول المسألة المسيحية إلا ذهبت إليها.

تقف جميع شخصيات الرواية على كثرتها على قدم المساواة من حيث الفعل ورد الفعل داخل الأحداث الكلية التي تشتغل على المسألة المسيحية. هذه المسألة التي ذهب الروائي وراءها حيث أثيرت، مضيئا جوانبها الأكثر عمقا وامتدادا على مدار تاريخ الفكر المسيحي وحتى الآن، ومسجلا لتاريخ الأديرة والكنائس والمدارس والقيصريات. انطلاقا من مواجهات المسيحية مع الوثنية وإرثها الذي كان متجذرا، ومرورا بالاضطهاد الذي واجهته واستنزف الآلاف من الشهداء ومرورا بالألاعيب السياسية التي كانت تحاول استغلالها، ثم الاختلافات البينية والانشقاقات بين الكنائس والقديسين والرهبان حول الطبيعة الإيمانية وتأويل الكتاب المقدس والأقانيم “الآب والابن والروح القدس”، والذي وصل إلى حد تبادل الاتهامات بالهرطقة والطرد من الكنيسة، وانتهاء بظهور جماعات مثل جماعة حماة الإيمان جماعة العظام الزرقاء وصخر الكنيسة وجماعة الأمة القبطية وجماعة أوريجانيوس، والتي تلخص جميعها امتداد الاختلافات والانشقاقات القديمة وتأثيرها على المسألة المسيحية حتى الآن.

استخدم موسى تقنية التنقيط ـإذا جاز التعبيرـ في رسم ملامح أمكنته بما فيها الدير الذي تنطلق منه الأحداث، وشخصياته التي تزدحم بها الرواية حتى ليصعب إحصاؤها في ذهن المتلقي مرة واحدة، وأحداثه أيضا التي توزعت تفاصيل ملامحها على الرواة المتعددين، وربما لجأ إلى ذلك ليؤكد على أحداث روايته وترسيخها في وعي القارئ، وكأنه مطارد كبطله “أنطونيوس” بحثا عن الحقيقة، حقيقة الصراع بين حرية العقل في التفكير والتأويل والتفسير والانفتاح على رؤى وأفكار الآخر وبين قمع العقل ومنعه عن التفكير والتأويل والتفسير وتكبيله بالرأي والفكر الأحاديين.

"صلاة خاصة" وتمجيد الماضوية الفكرية
“صلاة خاصة” وتمجيد الماضوية الفكرية

تنطلق أحداث الرواية زمنيا تقريبا ما بين عامي 2012 ـ 2013 حيث صعود جماعة الإخوان المسلمين والتيارات السلفية المتطرفة وتحالفهما على الشارع المصري شمالا وجنوبا وارتكابهما الكثير من الجرائم ضد المسيحيين، ومكانيا من دير أطلق عليه المؤلف “دير الملاح” وبث تفاصيل ملامحه الداخلية والخارجية على مدار الرواية محددا موقعه فوق هضبة بجبال القلزم، وهذا الدير يشكل وتد الخيمة بما يحمله في تكوينه وملامحه وما يمثله من تاريخ وشخصيات، لذا فهو بمثابة البطل الرئيس ولب الصراع الرئيس أيضا، وذلك لأسباب تتناثر في أفق الرواية: أولا كونه كان قبلة للفارين من اضطهاد الأباطرة الروم أو أتباعهم، بل إن المؤسس نفسه، جبرائيل الملاح، كان فارا من جنود الامبراطور ديسيوس ومن بعده دقالديانوس ليؤسس ديره “ونجا ميخائل الملاح وديونسيوس أسقف الإسكندرية من الموت باللجوء إلى الصحارى والجبال، وفي الوقت الذي اهتم فيه الملاح بحماية المؤمنين المتجمعين على هضبته كان ديونسيوس يوزع رسائله على الجميع من مخبئه”.

ودائما كان الملاح في انتظار أبناء الرب المطاردين في كل مكان والفارين في الصحارى والجبال طالبين الأمن والعزلة بعيدا عن الشرور والآثام، حتى أن رأس الكنيسة القديس أثناسيوس فر إلى هذا الدير وأقام وأملى فيه سيرة أستاذه القديس أنطونيوس، ومنه أخرج عظاته للرد على الأريوسيين وهرطقاتهم.

ثانيا لأن “دير الملاح” احتضن الانفتاح على كافة الأفكار سواء منها ما يخص الطبيعة الإيمانية أو الهرطقة، حيث حرص رؤساؤه على جمع وحفظ كل الكتب والرسائل والسير المختلف حول أفكارها أو المتفق مع أفكارها. يقول رافائيل أحد رؤساء الدير إنه كان في نيقية “اشتريت كتابين للعلامة أوريجانيوس من هناك، وبعضا من الشروحات الغنوصية لأستاذه إكلمندس السكندري، وأسرعت بدسها في حقيبتي كي لا يسألني أحد عن احتياجي لها، فلا أحد سيفهم ما أريده من جمع نسخ نادرة من كتب الآباء والقديسين وإرسالها إلى دير الملاح، هذه الكتب يجب أن تقرأ بعناية وتفنذ بعناية وتشرح بعناية للناس”.

وفي موضع آخر نقرأ أن رافائيل حمل معه كتب الأبيونية والماركونية والبنوبونية والغنوصية والأفلاطونية والوثنية القديمة “كتب تشرح رؤيتهم للعالم على نحو مخالف لما تقره الكنيسة وتراه”. وقد ظلت مكتبة هذا الدير حتى وقت انطلاق أحداث الرواية تضم كتبا تخص الغنوصية والأبيونية والماركونية والانتحالية والسابلية، و”بعضها يعود إلى أوريجانيوس كالمبادئ والتفسيرات وبعضها يخص أريوس كالأشعار” وكل من أوريجانيوس وأريوس اتُّهم بالهرطقة. فالدير الكائن على هضبة جبال القلزم “قبلة الباحثين عن الأمهات والأصول في الكتب”.

ثالثا تخرج من هذا الدير من شاركوا آباء الكنيسة الأم في الإسكندرية في معاركهم الإيمانية ضد الهراطقة ومشاركاتهم في المجامع وصحبوهم في رحلاتهم الداخلية والخارجية.

من هذا الدير تنطلق أحداث المواجهة بين جناحين الأول المنفتح على الرؤى والأفكار والآخر الذي تولى أخيرا دفة الأمور وهو تيار التشدد الذي يرى في انفتاح الرؤى والأفكار المخالفة إخلالا بالإيمان يصل إلى حد الهرطقة، وذلك من خلال قصة غرام تقع بين المحققة دميانة والقس أنطونيوس الذي يتهم إثر توليه مسؤولية المطبعة الخاصة بالدير بنشر الهرطقات وإهدار أموال الكنيسة، هذه الهرطقات الممثلة في رسائل أوريجانيوس، حيث تقودنا هذه القصة جنبا إلى جنب رسائل أوريجانيوس بشكل أساسي إلى جوهر هذا الصراع الحالي داخل الكنيسة، ليتوازى ويتقاطع ويشتبك مع الصراع الممتد منذ القرنين الثالث والرابع الميلاديين.

رواة الأحداث أيضا ينقسمون ما بين الزمن الماضي والزمن الحاضر، ففي الزمن الماضي هناك أوريجانيوس ورسائله إلى صديقه البابا ديونسيوس، وهناك رافائيل وبنيامين اللذان توليا رئاسة دير الملاح، وفي الزمن الحاضر هناك أنطونيوس ودميانة وميلاد الكاتب بشكل خاص، وهناك آخرون داخل الزمنين يصعب تحديدهم في كثير من الأحيان.

إن هناك تشابها في التاريخ التأويلي والتفسيري للقضية الإيمانية والكتاب المقدس بين المسيحية والإسلام، والانقسامات الممتدة على مدار تاريخ الرسالتين والتي يتم توارث أفكارها وآرائها وتفسيراتها حتى الآن، ففي الإسلام هناك العشرات من الفرق التي تكفر بعضها البعض والمتناحرة كأهل السنة واالجماعة والمعتزلة والخوارج والجهمية والقدرية والشيعة ومرجئة وأشاعرة وماتريدية وحنابلة وغيرها، وجرى بينها الكثير من الدماء، وهكذا الأمر في المسيحية التي لا أدعي أنني قرأت تاريخها كاملا، لكن ما قدمته الرواية يؤشر إلى جانب كبير من هذا التشابه، كاشفة أن تاريخ المسيحية الأول شهد العديد من الصراعات حول المفاهيم الأساسية للرب وقدراته وأقانيمه وطبيعته وقدمه، ووحدة الأقانيم الثلاثة، وتساوي قوتها وأزليتها، ودور العذراء مريم، وقداستها، وهي الآراء التي شهدت كثيرا من الشطط الذي رفضته الكنيسة المصرية وغيرها من الكنائس الكبرى، والتي تصدى لها كثير من الآباء والمعلمين الكبار، في مقدمتهم أوريجانيوس الذي أمضى الكثير من حياته في رحلات لبلاد العرب والعجم، يرد على أفكار المهرطقين، وهي في أغلبها أفكار فلسفية تتشابه مع ما عرفته الفلسفة الإسلامية في ما بعد لدى المعتزلة عن أزلية القرآن، وما نتج من صراع فكري لدى المتكلمة حول القضاء والقدر وحرية الإنسان وكون الإنسان مسيرا أو مخيرا.

وحتى أوريجانيوس نفسه رفضت الكنيسة بعض أفكاره، ففي الوقت الذي قال فيه بتحريم تجسيد الله، فإن الكنيسة المصرية في عهد الأب ثاؤفيلوس عدلت عن عدم التجسيد، وهددت بالحرمان كل من يقول بعدم التجسيد، وهو ما كان سببا في الخلاف الذي نشأ بين ثاؤفيلوس والأخوة الطوال الذين لجأوا إلى أسقف القسطنطينية يوحنا ذهبي الفم ليحميهم من مطاردته، وحين انحاز لهم اتهمه ثاؤفيلوس بأنه يتدخل في شؤون كنيسته ويساعد رهبانها على عصاينه، فأدين في مجمع مقدس وتم حرمانه.

ولكن أشهر الخلافات وأبرزها في جسد الكنيسة المصرية كان خلاف أريوس الذي قال إن “الآب” سابق على “الابن”، ولكن البابا ألكسندروس والبابا أثاناسيوس رفضا ذلك، وقالا إن “الآب” و”الابن” متلازمان منذ الخليقة، وإلا فماذا كان “الآب” قبل أن يوجد “الابن”. ولو أننا نعبد “الابن” دون عبادة “الآب” فهذا يعني أننا نعبد المخلوق وليس الخالق، وهذا فساد في الرأي، ومن هنا تم حرمان أريوس.

وكان نسطورس قد انحاز لأفكار شبيهة بأفكار أريوس، ورأى أن للمسيح طبيعة واحدة وهي الإنسانية، وقد رفضت الكنيسة المصرية ذلك، واعتبرته إخلالا بقانون الإيمان الذي تم إقراره في مجمع نيقية الأول عام 325م، وأصرت على أن للمسيح طبيعتين متلازمتين لا تنفصلان، وهو ما يتفق مع فكرة اتحاد الآب بالابن وقدمهما، وهو ما يتشابه في الإسلام بأزلية القرآن، وكونه جزءا من طبيعة الله وليس مخلوقا، ولكن المعتزلة قالت إن القرآن مخلوق وإن الإنسان حر ومسؤول عن عمله، وإنه إن لم يكن حرا ومسؤولا فكيف سيحاسب، وهو نفس ما قاله أوريجانيوس في رسائله لصديقه للبابا ديونيسيوس، متسائلا: ما ذنب الشياطين؟ مما جعل الكنيسة تصر على حرمانه رغم أهميته ومكانته كأهم مفسر ومعلم مسيحي في القرون الأولى.

صبحي موسى يغامر مع التاريخ والدين في "صلاة خاصة"
صبحي موسى يغامر مع التاريخ والدين في “صلاة خاصة”

وهناك متشابهات أخرى تفضي بها الرواية تكشف التقارب بين التاريخين المسيحي والإسلامي، فالتشدد والإغلاق الفكري لا يزالان يطاردان كليهما في مواجهة الانفتاح ومواكبة العصر وقبول الآخر المختلف.

وعلى الرغم من الجوانب المعرفية المهمة التي حفلت بها الرواية، وعلى الرغم من استغراق جانب لا يستهان به من الرواية فيها، لكن الرواية ظلت قادرة على الإمتاع بفضل سردها المفعم بالتشويق، فبالإضافة إلى قصة الحب التي جمعت بين أنطونيوس ودميانة، هناك حياة أوريجانيوس التي شكلها الكاتب وكأنها رواية قائمة بذاتها وليست جزءا مشتبكا من الرواية ككل، فنحن لسنا أمام سرد لأفكار أوريجانيوس فقط بل لحياته وحيوات آخرين طاردتهم أفكاره وانعكست عليهم، حيث نتتبع أحداثها الجسام التي طالت أوريجانيوس فكريا وجسديا كما طالت أهله وأصدقاءه.

أيضا هناك استخدام نموذجي للأسطورة حيث وضعها الكاتب لتتوازى مع الكرامة “الكرامات” كلقاء الملاح باللبؤة وأشبالها الأربعة، فقد كانت جريحة فعالجها ووفر لها سكنا آمنا مع أشبالها، وعندما صعد إلى مغارته للخلوة طلبها أن تأتي معه، وبعد موتها “أصابه شعور باليتم، ظل أسبوعين لا يكلم أحدا، وفشل مريدوه في إخراجه من حالته، وراحوا يصلون لأجله حتى جاءه الرب قائلا “قم يا جبرائيل للناس فماء لديهم ستجد، وطعاما سترزق، وأرضا ستزرع، فلأجلك باركنا المكان”. وفي مدخله دفنت اللبؤة وأشبالها، حيث تظهر دفاعا عن أنطونيوس أثناء هروبه ومروره بالكنيسة، وأيضا تحول دون قتل رهبان المتطرف يوساب لدميانة عبر دفنها حية، حيث ظهرت لهم اللبؤة وأشبالها على رأس الحفرة. يقول الكاتب “إن عطر هذه القداسة لم يمّح يوما من دير جبرائيل الملاح، وإن لبؤته وأشبالها مازالوا قائمين على حماية الدير وأهله”.

وفي السياق نفسه كرامة إيمانويل رئيس دير الملاح مع أنطونيوس الطالب في كلية الآداب الذي تحول بسبب الإرهاب الإسلامي الذي يمارس على أهل قريته إلى قاتل مأجور ثم إلى راهب رفيع الشأن في دير الملاح، وأيضا أسطورة صوت الكلب السماوي الذي يطارد أنطونيوس منبها له ومحذرا وموجها. وهذه الأسطورية تتجلى واضحة في الكثير عبر طرائق وأساليب مختلفة استعان بها الكاتب في بعض نقلاته للأحداث.

يبقى أن نشير إلى أن الرواية محملة بالكثير من الدلالات المنفتحة على آفاق تأويلية أظن أنها مهمة، لكن ما أحب التأكيد عليه أنها على الرغم من طولها حيث تبلغ عدد صفحاتها 555 صفحة، وكثرة عدد شخصياتها وأماكنها وأزمنتها، إلا أنها تمتلك سردا شفيفا قادرا على احتواء متلقيها ودفعه للمضي قدما في متابعة تطورات شخصياتها وأحداثها وأفكارها.

عن wissam

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!