على القارئ أن يرفع رأسه بينما يقرأ

المفكر المغربي عبدالسلام بنعبد العالي يدعونا إلى أهمية التأمل في ما نقرأ. ذلك أن فعل التأمل هو الذي يجعلنا نرفع رؤوسنا، والأمر نفسه بالنسبة إلى فعل التذكر.
السبت 2019/05/11
القراءة بلوغ للذروة (لوحة: محمد ظاظا)

كان لا بد لرولان بارت أن يعلن “موت المؤلف” لكي يولد القارئ. بينما يعلن المفكر المغربي عبدالسلام بنعبد العالي في كتابه الجديد عن “موت القارئ”، الذي يحني رأسه، في هيئة المحكوم بالإعدام، بينما يدعونا بنعبد العالي إلى أن نرفع رؤوسنا حين القراءة، من أجل قراءة حية لا تنحني للنص وسلطته.

مرة أخرى، يفاجئنا المفكر المغربي عبدالسلام بنعبد العالي بكتاب جديد، يختلف عن كتبه السابقة، كيف لا وهو الذي لا يزال ينتصر للاختلاف في كلّ كتبه، حيث ينحاز إلى فكر الانفصال بدل فكر الاتصال الذي يظل ينسج على منوال سابق. هذا المفكر جعل الفلسفة فنا للعيش وشأنا يوميا، أخرجها من أسوار الجامعة وفتحها على الفرد والجماعة. هكذا تصبح الفلسفة عند بنعبد العالي كتابة ونوعا من ممارسة الذات ضمن “جماليات الوجود”. كاتب يترك الأجوبة جانبا ليطرح الأسئلة. وهو قارئ قبل أن يكون كاتبا وبعد أن يكتب، بينما يرفع رأسه وهو يقرأ، كما يتحدث عن ذلك في كتابه الجديد “القراءة رافعة رأسها”.

موت القارئ

في رسالة إلى الآنسة شانتيي خابطها فلوبير بهذه العبارة “اقرئي لكي تحيي”. لكنّ القارئ لكي يكون حيا عليه أن يتفاعل مع النص، أن تصدر عنه حركة ما، لكي نعرف أنه حي. ومن ذلك أن يرفع رأسه، كما يشترط عبدالسلام بنعبد العالي. والحال أن القراءة تتم في الدماغ، كما يؤكد العلم، حيث يتكوّن الدماغ من فصين أحدهما مكلف بالقراءة. صحيح أن القراءة تعمل على تحريك رؤوسنا يمنة ويسرة كما كان يقول كافكا، لكنها ينبغي أن تحرك رؤوسنا نحو الأعلى كما يقترح بنعبد العالي. لأننا حين القراءة مطالبون بأن نفكر في ما نقرأ، كما يجب علينا أن نستعين بذاكرتنا من القراءات والمعارف سعيا نحو فهم أو فهوم بصيغة الجمع. وما كان أمبرتو إيكو يسميه “خزينا”، أو الموسوعة الشخصية لكل واحد منا، وهو يحدثنا عن “القراءة التعاضدية”، تلك التي تستطيع أن تستوعب من النص ما لا يقوله.

كتاب ينتصر للاختلاف
كتاب ينتصر للاختلاف

أي ما يضمره ويخفيه، ما يسمو ويرتفع على التجلّي المادي للحروف والكلمات والجمل. ولذلك علينا أن نرفع رؤوسنا حتى نراه. ما يخفيه النص تحديدا، وليس المؤلف، لأن الكاتب نفسه لا يمتلك معنى حقيقيا أو نهائيا للنص، بل يتعلق الأمر بمعان لا نهائية يبدعها ويؤلفها القرّاء كلما رفعوا رؤوسهم. وفي هذا يرى بنعبد العالي، عبر صفحات هذا الكتاب الشيق، أنه و”ما أن ينشر النص حتى يغدو مثل جهاز يمكن لكل قارئ منا أن يستعمله حسب هواه ووفق الوسائل التي يتوفر عليها”.

القارئ الكاتب

بهذا المعنى يغدو القارئ كاتبا، وتغدو القراءة فعلا خلاقا يواصل بناء المعاني من خلال فعل القراءة وفتنة التأويل. نتذكر هنا تلميذ بورخيس ألبيرتو مانغويل، هذا الساحر الأرجنتيني الذي يحدثنا في كتابه “تاريخ القراءة” عن التعليقات و”التطريزات” والحواشي التي نكتبها في أوراق ومذكرات، أو تلك التي نذيل بها هوامش الكتب التي نقرأها. هنا، حيث يتحول القارئ إلى كاتب، وحين تصير القراءة كتابة.

أما عبدالسلام بنعبد العالي فيدعونا إلى أهمية التأمل في ما نقرأ. ذلك أن فعل التأمل هو الذي يجعلنا نرفع رؤوسنا، والأمر نفسه بالنسبة إلى فعل التذكر. إذ كلما سألنا شخصا عن واقعة، وحاولنا أن نتذكرها نرفع رؤوسنا محاولين تذكر ما جرى. من هنا، يمكن أن نقرأ لوحة غلاف هذا الكتاب الجديد لعبدالسلام بنعبد العالي وهي للفنان البلجيكي رينيه ماغريت، حيث تمثل أمامنا قارئة تحمل بين يديها كتابا، بينما تندهش من هول ما تقرأ، لربما كان المقروء غريبا من جهة، ولربما جعلها تتذكر شيئا قرأته من قبل. ومع ذلك سيأتي قارئ جديد ليبني معنى جديدا ما دام يمتلك ذاكرة أخرى ومكتبة أخرى وقدرة مغايرة في فعل القراءات واختلاق التآويل.

ومع ذلك، يعلم بنعبد العالي أن الفضل إنما يعود إلى النص الذي يمتلك كل المحفزات التي تحرضنا على الفهوم والتآويل. وهنا وجب أن نتذكر لوحة “قارئ دوستويفسكي” لإيميل فيلا حيث يرفع القارئ رأسه، لكنه يبدو، في النهاية، منهارا أمام النص مستسلما له.

لكن هذا النص، مهما امتلك هذه السلطة أو السطوة على القارئ، سوى أنه لا يمتلك معنى أوليا، معنى سابقا على القراءة نفسها… وإلا فإن هذا المعنى هو مجرد “أسطورة علمية” بلغة رولان بارت دائما. وهنا لا يعود الفضل إلى القارئ، فقط وهو يرفع رأسه، بل إلى النص الذي يجعل القارئ يرفع رأسه ويحثه على التأمل والتذكر وبناء معنى الكتاب من جديد.

حين القراءة مطالبون بأن يفكروا في ما يقرأون، كما يجب عليهم أن يستعينوا بذاكرتهم من القراءات والمعارف

أما إذا لم يحرّك القارئ ساكنا فإنه ميت لا محالة على غرار حكاية “موت المؤلف”. أما إذا لقيا مصرعهما معا فقد انتهت الحكايتان معا، حكاية الكتابة وحكاية القراءة، وهما حكايتان لا تنفصلان. إذ لا كتاب ما لم يقرأ، ولا قراءة دون كتاب. ذلك أن القراءة ليست اسما جامدا بل هي فعل خلاق بعبارة فولفغانغ إيزر. وحيثما لا يكون القارئ متفاعلا فإنه لا يكون حيا. لقد كتب موريس بلانشو ذات يوم “نكتب لأن الحياة وحدها لا تكفي”، والحكم نفسه ينطبق على القراءة، إذ “نقرأ، لأن الحياة وحدها لا تكفي”.

وفي الأخير، فإن ما يجمع القارئ بالنص هو “القراءة الحية” بحسب مؤلف الكتاب. هذه “القراءة التي لا تحترم النص ولا تخضع له”. وهي ما تفتأ ترفع رأسها متوقفة… كما يقول فيلم إيطالي شهير. كل ذلك ليس إهمالا للنص وإنما من فرط ما يكتسح عملية القراءة من أفكار، و”ما يخالجها من تنبيهات، وما يخطر بباله من ترابطات…”.

وهكذا، فإننا حين نفتح كتابا جديدا فإننا نعيد، في الوقت نفسه، فتح الكتب التي قرأناها من قبل. فالأمر يتعلق بقراءات كثيرة وبنزهات ورحلات بين الكتب وكأننا داخل مكتبتنا نبحث عن كتب معينة بين الرفوف، ونحن نرفع رؤوسنا كما يقول بنعبد العالي، يقينا صادقا منا أن ما نبحث عنه يوجد عميقا عميقا في الأعالي.

عن wissam

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!