مؤلفون أضاءت خيالات رواياتهم فوانيس رمضان

القاهرة الإسلامية كلمة السر لنجاح الروايات الأدبية والدراما الرمضانية، حيث تتميز هذه المنطقة بخصوصية جغرافية وتاريخية وبشرية في آن.
الاثنين 2019/05/13
على هذه الدروب مرت حكايات كثيرة

القاهرة الإسلامية، بطقوسها الشعبية وتجلياتها الرمضانية وأناسها البسطاء ومعالمها التاريخية والأثرية، أيقونة الروايات الأدبية المتميزة والمسلسلات الدرامية الناجحة. منذ زمن، حيث نجد الكثير من الأعمال الإبداعية التي استوحت أجواء القاهرة الإسلامية جاعلة منها أيقونة فنية.

تبدو فوانيس رمضان المتوهجة، ونورانياته المشعة، وأجواؤه الساحرة، في أحياء القاهرة الإسلامية ودروبها المزدحمة بالحياة وأزقّتها الضيقة، مصدر إلهام على مر الأجيال للمؤلفين والمبدعين من الروائيين وكُتّاب الدراما التلفزيونية، الذين استوحوا عبق التاريخ وفيوضات الممارسات الاجتماعية والروحانية والدينية في هذه المناطق، خصوصا في شهر رمضان، ليصوغوا من وحيها أعمالا استثنائية.

استلهام من المدينة

روايات خالدة مشحونة بعبق القاهرة الإسلامية
روايات خالدة مشحونة بعبق القاهرة الإسلامية

يمتد خيط استلهامات منابع الفن في القاهرة الإسلامية إلى منتصف القرن الماضي، حيث كتب نجيب محفوظ رواياته “خان الخليلي” و”زقاق المدق” و”الثلاثية”، وصولا إلى رمضان الجاري الذي يشهد بعض المسلسلات التي تدور أحداثها في القاهرة التاريخية، ومنها مسلسل “حرملك” السوري، وما بينهما العشرات من الروايات والمسلسلات التي اقترنت بشهر رمضان وبأسماء مؤلفين نابهين، منهم: أسامة أنور عكاشة، محمد حلمي هلال، جمال الغيطاني، يسري الجندي، محفوظ عبدالرحمن، وغيرهم من عشاق “الأرابيسك” الذين أطلّوا على الجمهور المصري والعربي من وراء المشربية.

تشكّل القاهرة الإسلامية بأحيائها ومناطقها الشهيرة كالجمالية والحسين والأزهر والغورية وشارع المعزّ وما تحويه من معالم متميزة كخان الخليلي وبوابة المتولي “باب زويلة” والأسبلة والبنايات الأثرية، خصوصية جغرافية وتاريخية وبشرية في آن، فهي ذات طابع بنائي مختلف يعود أحيانا إلى أكثر من ألف عام، حيث العهد الفاطمي، وهي على حد تعبير نجيب محفوظ في “خان الخليلي”، “لها أنفاسٌ تتردد في عمق السكون”، إذ تصبغ الروح الشعبية والجذور التاريخية الممتدة ملامح البشر وسلوكياتهم وممارساتهم اليومية، وتتحكم في حركة الحياة، حتى يومنا هذا.

وفي شهر رمضان من كل عام، تجدد أحياء القاهرة ودروبها ومعالمها ومزاراتها ومطاعمها ومقاهيها الشهيرة شبابها، وتتجلى السمات الشعبية للمكان أكثر وأكثر بطقوسه وزيناته وأضوائه وروائحه، الأمر الذي فتح شهية المؤلفين والمبدعين لاستلهام هذه المناطق وتجلياتها الرمضانية كقماشة فنية للاشتغال عليها لصياغة روائع روائية ودرامية كتحف الخان اليدوية النفيسة قبل هجوم عصر “الزنكوغراف”.

وقد اقترنت بعض هذه الأعمال الدرامية بشهر رمضان من جانب آخر، حيث عُرضت جماهيريًّا في هذا الشهر للمرة الأولى، مثل مسلسلات “أرابيسك” و”بوابة المتولي” و”علي الزيبق”، وغيرها.

شحنات روائية

مصدر إلهام على مر الأجيال
مصدر إلهام على مر الأجيال

مثّلت الروايات الخالدة المشحونة بعبق القاهرة الإسلامية مؤشرا عبقريّا لتعانق الجغرافيا والتاريخ وامتداد حركة الناس والأحداث في هذه المناطق التي لم تغب عنها الشمس منذ المئات من السنين، فهي كما وصف نجيب محفوظ بيت “السكرية” في الجزء الثالث من ثلاثيته “يدل عتقها على السؤدد والجاه”، وفي تلك المناطق والأحياء والبيوت “تطل المشربيات على بوابة المتولي والمآذن التي تنطلق عن قرب وتيار السابلة الذي لا ينقطع”.

لا ينقطع تيار الحياة أبدًا في القاهرة الإسلامية، ويشكل ذروة صخبه واشتعاله في نهارات رمضان وأمسياته في حي الحسين وخان الخليلي وشارع المعز وبيت القاضي والصنادقية والغورية وغيرها، والمزارات والمطاعم والمقاهي المنتشرة هناك، وتستقطب المصريين والعرب والأجانب من كل حدب وصوب “هنا ألذ طعمية، وأشهى فول مدمس، وأطعم كباب”، كما ذكر محفوظ في “خان الخليلي”.

أبرز مقوّمات الروايات التي تفاعلت مع القاهرة الإسلامية، ومنها أعمال نجيب محفوظ وجمال الغيطاني، أنها لم تكن روايات معرفية ذهنية بقدر ما كانت نهلًا من زاد الواقع المباشر الذي عاشه الأديب، خصوصا في طفولته وصباه، ونشأ الأديبان في حي الجمالية بالقرب من مسجد الحسين، وتشكّلت حواسهما وذائقتهما في رحاب حلقات الذكر والإنشاد ومجالس التصوف، وتفتحت مداركهما على الروح الشعبية والتفاصيل اليومية لفئات الصنايعية والحرفيين في شارع المعز وخان الخليلي، حيث الصناعات الفنية القائمة على الذهب والفضة والنحاس والخشب والصدف والزجاج والسجاد والسيرما، فضلًا عن تجارة العطارة والشموع والفحم وغيرها.

الواقع الشعبي والحياة البسيطة في المناطق التاريخية قماشة سحرية اشتغل عليها المبدعون وكتاب السيناريو عبر أجيال

من هنا، استلهمت روايات محفوظ والغيطاني التاريخ الشعبي للعاديين والبسطاء لرسم خريطة القاهرة عبر الزمن، فلم يعنيا بالملوك والسلاطين بقدر ما تقصيا حكايات الناس من فئات المجتمع المتوسطة وطبقاته الدنيا المهمّشة، كما في “زقاق المدق” الممعن في الفقر والقهر في رواية محفوظ الرامزة لصورة مصر المطحونة تحت الاحتلال، وفي مغامرات “الزيني بركات”، لجمال الغيطاني، التي رصدت أجواء القمع والقهر في العهد المملوكي، وتحولت بدورها إلى دراما رمضانية في منتصف تسعينات القرن الماضي، من إخراج يحيى العلمي، وبطولة أحمد بدير.

ثلاثية نجيب محفوظ أيضا، التي أرّخت للقاهرة الإسلامية طوبوغرافيّا وديموغرافيّا، وسجلت وقائع الحياة كاملة، اجتماعيّا واقتصاديّا وسياسيّا ودينيّا، في قلب مصر المحروسة على مرّ الأحقاب، توقفت في الكثير من مواضعها عند معالم الحياة وخصوصيتها في هذه المناطق الأثرية والتاريخية في شهر رمضان، وحينما تحوّلت الثلاثية إلى دراما تلفزيونية للمخرج يوسف مرزوق في أواخر الثمانينات، اقترنت أيضا بشهر رمضان الذي عُرضت فيه جماهيريّا للمرة الأولى، ولعب الفنان محمود مرسي شخصية السيد أحمد عبدالجواد، صاحب دكان العطارة بالقرب من جامع برقوق في “النحاسين” بشارع المعزّ.

فضاء الدراما

مغامرات “الزيني بركات تحولت إلى دراما رمضانية
مغامرات “الزيني بركات تحولت إلى دراما رمضانية

هذا النجاح الذي قوبلت به الروايات التي تناولت القاهرة الإسلامية، والمسلسلات المأخوذة عنها، أغرى كتّاب الدراما التلفزيونية، والرمضانية على وجه الخصوص، فتوالى إنتاج أعمال درامية وتاريخية، لتحلّق عاليا في فضاء الفن المشغول بعناية واصطبار.

من هذه المسلسلات التي لقيت صدى طيبا وحظيت بنسبة متابعة عالية على الصعيد العربي، مسلسل “بوابة المتولي” في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، عن قصة أسامة أنور عكاشة وسيناريو وحوار محمد حلمي هلال، وﺇﺧﺮاﺝ فؤاد عبدالجليل وبطولة عزت العلايلي وأحمد عبدالعزيز.

لم يتعاط المسلسل مع وقائع تاريخية قديمة، بقدر ما استكشف ملامح الحياة المعاصرة بالقرب من “بوابة المتولي” الأثرية الشهيرة التي يطلق عليها أيضا “باب زويلة”، وفي قلب الحي الشعبي المحتفظ بأصالته وعراقته تجلّت مشكلات العصر، وعلى رأسها الفقر، الذي قد يدفع الضعفاء في بعض الأحوال إلى الانحراف والجريمة وسوء السلوك.

و”بوابة المتولي”، المكان، هي إحدى بوابات القاهرة القديمة، تأسست في عام 1092 الميلادي، وهي البوابة الشهيرة التي شهدت واقعة تعليق رؤوس رسل قائد التتار “هولاكو” الذين حملوا تهديده ووعيده للمصريين، كما شهدت إعدام السلطان طومان باي، ونهاية دولة المماليك الشراكسة بمصر، وبداية العهد العثماني في عام 1517.

وفي مسلسل “أرابيسك” للمخرج جمال عبدالحميد، الذي عُرض في رمضان عام 1994، استوحى الكاتب أسامة أنور عكاشة روح المكان في قلب القاهرة الإسلامية للتعبير عن الجينات الموروثة للمصريين والخارطة البشرية للشخصية المصرية عبر التاريخ، وقدم صلاح السعدني وجبة ثرية بتجسيده شخصية فنان الأرابيسك المصري، الذي يمتلك الكثير من الموهبة والرصيد الفني والإنساني المتراكم، لكنه متأثر شأنه شأن غيره بعوامل التعرية الوافدة التي جرّفت الشخصية المصرية الأصيلة من مثلها وقيمها وحطمت أحلامها على صخور التكاسل والإحباطات والإدمان.

من الأعمال الدرامية الأخرى مسلسل “بوابة الحلواني”، للكاتب محفوظ عبدالرحمن والمخرج إبراهيم الصحن، وهو من أربعة أجزاء عُرضت في التسعينات من القرن الماضي، ويدور في فترة حكم الخديوي إسماعيل لمصر في القرن التاسع عشر في مدن القناة شرق القاهرة، لكنه يتعرض بشكل واسع لتاريخ مدينة القاهرة وتفاصيل أناسها وأحداثها منذ أسسها القائد الفاطمي جوهر الصقلي قبل أكثر من ألف عام، والذي يردد البعض أنه كان يجيد عمل “الحلوى”، ولذلك قيلت العبارة الدارجة “اللي بنى مصر حلواني”.

من هنا يبدأ الإلهام
من هنا يبدأ الإلهام

جاء مسلسل “علي الزيبق” في منتصف الثمانينات ليجسد الشخصية التراثية المصرية المعروفة، الذي يحارب فساد السلطة والخليفة والعسكر والعسس في العهد المملوكي، مستخدما المكر والدهاء ليصير هذا اللص الشريف نصير الضعفاء ورمزًا للشخصية الشعبية المحبوبة المدافعة عن العدل، وقد كتبه المؤلف يسري الجندي وأخرجه إبراهيم الشقنقيري وألّف أشعاره عبدالرحمن الأبنودي، ولعب بطولته فاروق الفيشاوي.

وتستمر الدراما التلفزيونية في اتخاذ القاهرة الإسلامية فضاء للأحداث في الأعمال الناجحة حتى يومنا هذا، ويشهد رمضان الجاري عرض المسلسل السوري “حرملك”، الذي يدور بين القاهرة ودمشق، ويتقصّى فترة وصول المماليك إلى السلطة وتحكمهم في مقاليد البلاد ومصائر العباد، وهو من ﺗﺄﻟﻴﻒ سليمان عبدالعزيز وإخراج تامر إسحاق، وبطولة جمال سليمان وباسم ياخور، ويرسم إلى جانب صورة الأمراء والسلاطين ملامح البسطاء والعاديين من فئات الشعب بحساسية بالغة، ويبرز كفاحهم ضد القهر والطغيان.

عن wissam

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!