مسرح الشباب يضيء مصابيح الحرية والعدل والمقاومة

العرض يستوحي الموروث الفرعوني القديم للخوض في موضوعات عصرية شائكة.
تابلوهات استعراضية غنائية تنتصر للحرية والعدالة والحق

لو عدنا إلى التاريخ سنجد حكايات كثيرة يمكن استعادتها لفهم الواقع الحالي أو لنقده، حيث القيم الإنسانية لا تبلى بمرور الزمن. وهذا ما استفادت منه الكثير من الأعمال الفنية التي قاربت ثيمات الحب والحرية والظلم والحق وغيرها. وفي هذا الإطار يأتي العرض المسرحي المصري “ترنيمة الفلاح الفصيح” ليعيد على الجمهور حكاية فرعونية بقالب جديد.

القاهرة – تمكّن العرض المسرحي “ترنيمة الفلاح الفصيح”، الذي شهدته القاهرة مؤخرًا، من التحليق عاليا في سماء الإبداع التجريبي، بمزجه بين قصص التراث الشعبي الفرعوني وأبجديات الدراما المعاصرة وفنون الشعر العربي والموسيقى والأوبرا والباليه، مُقدّمًا من خلال تلك العناصر مجتمعة تابلوهات استعراضية غنائية تنتصر للحرية والعدالة والحق، وتدعو إلى تجاوز الضعف والعجز ومناهضة الظلم والقهر السلطوي.

دعوة إلى التمرد

الأريحية التي يستشعرها المُشَاهِد بمجرد عبوره حديقة “المسرح العائم” على شاطئ حي المنيل الهادئ بالقاهرة، يجدها في داخل المسرح الواسع المجهّز بصريًّا وسمعيًّا، والمُعَدّ جيّدا لاستقبال عروض من طراز خاص، تضم مجموعات كبيرة من الممثلين والمطربين والموسيقيين.

قبل فتح الستار للإعلان عن بدء عرض المسرحية المسمّاة في الدعاية المسبقة بأنها “أوبرا فرعونية طقسية”، يجد المُشاهِد ذاته في قلب الحدث، إذ يتحرك على جانبي المسرح وبين صفوف المتفرجين عدد من الشبان والفتيات بأزياء فرعونية، ويعزف بعضهم على آلات الناي والكمان والعود أنغاما تفيض بالرهبة كموسيقى المعابد، في حين يطلق آخرون آهات وصيحات تزلزل المكان ممهّدة لإضاءة المسرح.

أكثر من مغامرة خاضها العرض الذي قدمته فرقة مسرح الشباب التابعة للبيت الفني للمسرح، فقد استوحى الموروث الفرعوني القديم للخوض في موضوعات عصرية شائكة، ومزج بين أكثر من لغة تعبيرية وثيمة فنية في بوتقة واحدة جاءت مثل جدارية تصويرية كبرى تتسع للكثير من المفردات والعناصر.

ينتمي العرض إلى روح الشباب، من حيث فكرته ومعالجته ودعوته إلى التمرد، وممارسته هذا التمرد أيضا على مستوى الخطاب المسرحي وآليات توصيله، الأمر الذي أكسب العرض مصداقية في خلخلته للثوابت، مثلما فعل “الفلاح الفصيح” في الأسطورة المصرية القديمة، حيث أجبر الفرعون على الإعجاب بفصاحته، فأكرمه وردّ له حقوقه المسلوبة.

حرّكت المسرحية، وهي من تأليف وأشعار محمد حمد وإخراج سعيد سليمان وموسيقى هاني عبدالناصر وسينوغرافيا رامه فاروق، الماء الراكد في ما يخص المسرح الشعري العربي، إذ جاء نصها مصوغًا بكامله في قالب شعري عربي، على الرغم من مصرية الأحداث.

وأسهم العرض في تقديم تصوّر أولّي للأوبرا المصرية الفرعونية، فأبطال العرض جميعًا، ومنهم هاني عبدالناصر وحنان الفيومي ووسام مصطفى وإسلام أسامة ومي صفوت وآخرون، هم مطربون وعازفون أوبراليون محترفون، لديهم القدرة على تقديم تابلوهات العرض “لايف” غناءً تطريبيًّا وحركة موحية وعزفًا متميزًا، إلى جانب قدراتهم التمثيلية والتعبيرية المتفاوتة (الرجال كانوا أقرب إلى الطبيعية والإقناع من النساء اللاتي أبعدتهن البدانة مثلًا عن السمت الفرعوني المعروف).

يحق وصف عرض “ترنيمة الفلاح الفصيح” بأنه تنويري بامتياز، وهذا ما يفسره المخرج سعيد سليمان في ملصق المسرحية الذي جاء مزينًا بالنقوش والرسوم والصور الفرعونية الإيجابية الباعثة على الأمل، “مفتاح الحياة” مثلا أو رمز الحـياة الأبدية عند قدماء المصريين، فمن خلال إسقاط النور على الظلمة ينتج هذا التنوير المراد أي إضاءة الوعي الإنساني بمفاهيم جديدة خلاقة.

هذا الوعي هو الحصاد المتراكم على مر السنين، فمن خلال غوص الإنسان بداخله، واكتشافه لأثقاله وحموله التي ترهقه وتعجزه، وإدراكه أنه لم يعد هو، ولا قلبه هو قلبه، ولا عقله هو عقله، ولا روحه هي روحه، وأن كل ممتلكاته الخاصة قد سُلبتْ منه، فعندها سيعي طبيعة الظلمة المحيطة به، ومعنى الظلم المطبق، وسيكتشف وجهه الحقيقي، وجوهره الذي وُلد معه.

استلهم العرض المسرحي الأوبرالي قصة “الفلاح الفصيح” الفرعونية الشعبية، بعد تحويلها إلى ترنيمة، أي إلى قالب شعري غنائي موسيقي، بطقوس تعبّدية تضرعيّة لها صفة القداسة، بما منح العرض شموخًا في الأداء، وطاقة تأثيرية هائلة.

وتقول الحكاية القديمة إن فلاحًا مصريًّا يسمى خن- أنوب من عهد الأسرة التاسعة أو العاشرة تعثر هو وحماره في أرض أحد النبلاء رينسي بن ميرو، فاتهمه ظلمًا المشرف على الأرض نمتيناخت بإتلاف زرع النبيل، وبأن الحمار قد أكل منه دون حق، ومن ثم أخذ الحمار، واعتدي على الفلاح، الذي لم يسكت، وذهب إلى النبيل وبث له شكواه بأسلوب رفيع، فأعجب النبيل بفصاحة الفلاح، وعرض الأمر على الفرعون، الذي بدوره أثنى على خطاب الفلاح الفصيح، وأنصفه النبيل فردّ الحمار إليه، وعيّنه مشرفًا على أرضه بدلاً من المشرف الظالم.

ذاعت قصة الفلاح الفصيح واشتهرت عبر العصور، وصارت مضربًا للمثل كلما تمكن إنسان بسيط مسالم من التحدث بلباقة واستعادة حقوقه بكياسة ودبلوماسية وقدرة على الإقناع، فلا يضيع حق وراءه مُطالِبٌ، كما يقال.

دعوات ثورية

حوّل العرض ترنيمة الفلاح المصري الفصيح إلى أيقونة انطلت أحداثها على العشرات من المواقف والتابلوهات الشعرية، التي جسّدت حالات أكثر من فلاح وعامل وشخص بسيط تعرض للظلم والقهر من السلطة (الساسة، والسادة، والكهنة)، ونسجت المسرحية في كافة مشاهدها على منوال أن مصابيح الحرية والعدل والحق والخير والمقاومة ينبغي أن تُضاء باليد، وبشموع الروح، وأن وصايا الفلاح القديم يجب أن ينفذها ورثته المصريون، لكي يتجاوزوا ضعفهم وعجزهم، ويتمكّنوا من مناهضة الظلم والقهر السلطوي وصور الاستبداد المختلفة.

عمل العرض على إعادة تدوير الفكرة القديمة المبسّطة بإثرائها معرفيًّا وتعميقها فلسفيًّا، فالنهب في العصر الحديث يتعدى متاع الرعيّة، ليصير استلابا كاملا لذواتهم وكياناتهم، حيث يعاني البشر من الاغتراب وافتقاد البوصلة ووطأة القيود في مجتمعات مادية انتهازية مُهْدِرَة للقيم والطاقات الروحية.

جاءت الحركة كلمة السر في العرض الأدائي، فلم تكن الكلمة المقتصرة على الأشعار الدالة المكثّفة هي وسيلة التعبير الوحيدة، حيث تجسدت الطقوس الجنائزية والتعبّدية والممارسات الفرعونية اليومية المختلفة من خلال التمثيل الحركي والجسدي، كما في التحنيط، وخلع قلب المتوفى ووزنه بالميزان، والابتعاث بعد الموت، وصلوات التضرع للآلهة، وغيرها من المشاهد الأوبرالية الحية التي أفادت كذلك من الباليه والرقص الحديث.

انسجمت عناصر العرض مع بعضها البعض، من ديكور وملابس وموسيقى وغناء وحركة، وجاءت أسطورة الفلاح الفصيح بمثابة الروح الملهمة المحلقة في خلفية كل المشاهد، والباعثة على الأمل والتمرد والثورية، من أجل تجاوز الواقع الضبابي الزائل إلى النور المقيم.

أما اللغة العربية الفصحى، فإنها شكلت تساؤلًا بغير إجابة في العرض، فلربما كانت العامية أقرب إلى هذه المنظومة المصرية الشعبية، خصوصا عندما يكون المتحدث هو الفلاح البسيط “سنملأ الدنيا، ونقاوم/ من قلب الظلام يأتي النور/ وتأتي الحياة من الموت”. ومهما تكن فصاحة الفلاح المتوقعة، فإنه يصعب تصوّر أن يفيض لسانه بمثل هذا العمق الفلسفي واللعب اللغوي “كل شيء سيظهر ويحضر، عندما يُعرض في النور. وكل ما يُعرض في النور، سيصبح نورا”.

عن wissam

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!